هل هاتفك يستمع إليك لعرض الإعلانات؟ الحقيقة وراء الإعلانات التي تعرف ما تفكر فيه

 هل هاتفك يستمع إليك لعرض الإعلانات؟ الحقيقة وراء الإعلانات التي تعرف ما تفكر فيه

تجلس مع صديق وتتحدثان عن السفر إلى مدينة معينة.

بعد ساعات تفتح أحد التطبيقات، فتظهر أمامك إعلانات عن فنادق في المدينة نفسها.

أو تتحدث عن شراء سماعات جديدة، ثم تجد إعلانًا لسماعات بمجرد تصفح الإنترنت.

الموقف غريب لدرجة تجعل السؤال يبدو منطقيًا:

هاتف ذكي تحيط به موجات صوتية وبيانات وإعلانات رقمية في تصوير لفكرة ما إذا كان الهاتف يستمع إلى المحادثات لعرض الإعلانات .

هاتف ذكي تحيط به موجات صوتية وبيانات وإعلانات رقمية في تصوير لفكرة ما إذا كان الهاتف يستمع إلى المحادثات لعرض الإعلانات .


هل هاتفي يستمع إلى محادثاتي حتى يعرض لي الإعلانات؟

الإجابة ليست ببساطة “نعم” أو “لا”، لأن عالم الإعلانات الرقمية أكثر تعقيدًا مما يبدو.

في كثير من الحالات لا تحتاج أنظمة الإعلانات إلى الاستماع إلى محادثة خاصة لكي تتوقع ما قد يثير اهتمامك؛ فكمية البيانات والإشارات الرقمية التي نتركها أثناء استخدام الإنترنت قد تكون كافية لإنتاج توقعات تبدو أحيانًا وكأن الهاتف قرأ أفكارنا.

فكيف يحدث ذلك؟

أولًا: لماذا تبدو بعض الإعلانات مخيفة في دقتها؟

لأن الإعلان الذي تراه ليس بالضرورة إعلانًا عشوائيًا اختير لحظة فتح التطبيق.

وراء كثير من أنظمة الإعلانات عمليات آلية تستخدم معلومات وإشارات مختلفة لتحديد الإعلانات التي قد تكون أكثر ارتباطًا بالمستخدم أو بالسياق.

قد تشمل هذه الإشارات — وفق الخدمة وإعداداتها وموافقات المستخدم والقوانين المعمول بها — نشاطًا سابقًا، وعمليات بحث، ومحتوى تم التفاعل معه، ومعلومات تقريبية عن الموقع، ونوع الجهاز، أو اهتمامات مستنتجة.

وعندما تجمع الأنظمة عددًا كبيرًا من الإشارات الصغيرة، قد تنتج توقعًا دقيقًا بصورة مفاجئة.

عمليات البحث تكشف أكثر مما نتوقع

تخيل أنك لم تبحث عن عبارة “أريد شراء سيارة”.

لكنك خلال أسبوع شاهدت عدة مراجعات لسيارات، وقرأت مقارنة بين طرازات مختلفة، وبحثت عن أسعار التأمين، وشاهدت فيديو عن استهلاك الوقود.

بالنسبة إلى نظام توصية أو إعلانات، قد تشكل هذه الأنشطة نمطًا يشير إلى اهتمام محتمل بالسيارات.

لا يحتاج النظام إلى سماعك تقول:

“أفكر في شراء سيارة.”

سلوكك الرقمي قد يكون قد قال شيئًا قريبًا من ذلك بالفعل.

ماذا عن المواقع التي نزورها؟

تعتمد بعض منظومات الإعلان والقياس على تقنيات موجودة داخل مواقع وتطبيقات متعددة.

قد تستخدم المواقع ملفات تعريف الارتباط أو أدوات قياس أو معرّفات وتقنيات أخرى لفهم كيفية تفاعل الزوار مع المحتوى.

ولهذا قد تبحث عن منتج في متجر إلكتروني، ثم ترى إعلانًا مشابهًا في مكان آخر.

هذا النوع من الإعلانات يسمى عادة إعادة الاستهداف Retargeting.

الفكرة ليست أن الهاتف سمع حديثك عن المنتج.

بل أن النظام عرف أنك زرت صفحة المنتج أو تفاعلت معه سابقًا.

وهل بصمة المتصفح لها علاقة؟

يمكن أن تدخل تقنيات التعرف على الجهاز أو المتصفح ضمن بعض منظومات مكافحة الاحتيال أو القياس أو التتبع.

وكما شرحنا في مقالنا السابق عن Browser Fingerprinting، يمكن دمج خصائص تقنية متعددة لمحاولة التمييز بين المتصفحات حتى دون الاعتماد فقط على الكوكيز.

لكن الإعلانات الرقمية لا تعتمد على تقنية واحدة.

قد تكون هناك ملفات تعريف ارتباط أو حسابات مسجل الدخول إليها أو معرّفات إعلانية أو معلومات سياقية أو بيانات يقدمها المستخدم بنفسه.

وهذا ما يجعل النظام البيئي للإعلانات شديد التعقيد.

كيف تعرف المنصات اهتماماتك؟

لا تحتاج المنصة إلى أن تسألك مباشرة:

“هل تحب التصوير؟”

قد تستنتج ذلك من سلوكك.

إذا شاهدت باستمرار مقاطع عن الكاميرات، وقرأت مقالات عن العدسات، وتفاعلت مع حسابات متخصصة في التصوير، فقد تستطيع الخوارزمية استنتاج أن هذا المجال يثير اهتمامك.

هذا يسمى بصورة عامة Interest Profiling أو بناء ملفات الاهتمامات.

ولا يعني أن كل استنتاج صحيح.

قد تبحث عن كاميرا لأنك تريد شراء هدية لشخص آخر، بينما يعتقد النظام أنك أصبحت مهتمًا بالتصوير.

لكن ماذا لو لم أبحث عن الشيء أصلًا؟

هنا تصبح المسألة أكثر إثارة.

أنظمة التنبؤ لا تعتمد دائمًا على سلوك الفرد وحده.

يمكن للنماذج العثور على أنماط بين مستخدمين أو سياقات مختلفة.

على سبيل المثال، قد تلاحظ الخوارزمية أن الأشخاص الذين يتفاعلون مع مجموعة معينة من المحتوى يميلون لاحقًا إلى الاهتمام بمنتج آخر.

إذا كان سلوكك مشابهًا لذلك النمط، فقد تعرض لك المنتج قبل أن تبحث عنه مباشرة.

وهنا يبدو الإعلان وكأنه سبق تفكيرك.

لكن النظام في الواقع قام بتوقع احتمالي بناءً على الأنماط.

ماذا عن الأشخاص من حولي؟

هذا سؤال مثير للاهتمام.

قد تتداخل أنماط المستخدمين بطرق كثيرة دون الحاجة إلى تسجيل محادثاتهم.

قد يستخدم أفراد الأسرة الشبكة نفسها، أو يزورون الأماكن نفسها، أو يستخدمون خدمات مشتركة، أو تظهر علاقات بينهم داخل منصات معينة.

وقد تسمح بعض أنظمة الإعلانات باستخدام إشارات على مستوى الأسرة أو الحسابات المرتبطة أو شرائح جماهيرية أوسع، بحسب الخدمة وسياساتها.

وهذا قد يؤدي أحيانًا إلى ظهور إعلان يتعلق بشيء اهتم به شخص قريب منك.

فيبدو لك أن الهاتف “سمع المحادثة”، بينما قد يكون هناك تفسير قائم على البيانات والارتباطات.

هل تستطيع التطبيقات الوصول إلى الميكروفون؟

نعم، إذا كان نظام التشغيل يمنح التطبيق الإذن المناسب.

تحتاج تطبيقات كثيرة إلى الميكروفون لأسباب واضحة مثل المكالمات وتسجيل الصوت وتصوير الفيديو والمساعدات الصوتية.

لكن أنظمة الهواتف الحديثة توفر عادة أدوات للتحكم في أذونات الميكروفون.

كما تعرض بعض الأنظمة مؤشرًا عندما يستخدم تطبيق الميكروفون.

ولهذا من المفيد مراجعة التطبيقات التي تمتلك هذا الإذن.

السؤال الصحيح ليس فقط:

“هل يستطيع الهاتف تقنيًا تسجيل الصوت؟”

بالطبع يستطيع، فهو يحتوي على ميكروفون.

السؤال الأهم:

“أي تطبيق لديه إذن باستخدامه، ومتى يستخدمه، ولماذا؟”

هل هناك دليل أن الهواتف تسجل كل محادثاتنا للإعلانات؟

الادعاء بأن الهواتف الحديثة تسجل باستمرار كل ما نقوله وترسله سرًا إلى شبكات الإعلانات ادعاء كبير، ولا ينبغي اعتباره حقيقة لمجرد ظهور إعلان غريب.

الاستماع المستمر ونقل كميات ضخمة من الصوت سيترك آثارًا تقنية تتعلق باستخدام الميكروفون والطاقة والبيانات، كما تخضع التطبيقات والمتاجر وأنظمة التشغيل لسياسات وأذونات مختلفة.

هذا لا يعني أن كل تطبيق يحترم الخصوصية دائمًا أو أن إساءة استخدام الأذونات مستحيلة.

لكن ظهور إعلان مطابق لمحادثة ليس دليلًا كافيًا وحده على أن الميكروفون استُخدم للتجسس الإعلاني.

وغالبًا توجد تفسيرات أقل إثارة تعتمد على البيانات التي جمعناها بأنفسنا دون أن ننتبه.

هناك عامل نفسي أيضًا

تخيل أنك ترى عشرات الإعلانات يوميًا.

معظمها لا يهمك، لذلك تنساها.

ثم تتحدث صباحًا عن السفر إلى اليابان، وفي المساء ترى إعلانًا عن رحلة إلى طوكيو.

هذا الإعلان سيلفت انتباهك بشدة لأن هناك تطابقًا واضحًا.

يسمى أحد الجوانب المرتبطة بذلك وهم التكرار Frequency Illusion؛ فعندما يصبح موضوع معين حاضرًا في ذهننا، نبدأ بملاحظته أكثر.

وقد يكون الإعلان موجودًا ضمن حملات واسعة أصلًا، لكننا لم نكن لنتذكره لو لم نتحدث عن الموضوع قبل ساعات.

الإعلانات اللحظية تحدث بسرعة مذهلة

عندما تفتح صفحة أو تطبيقًا، يمكن لبعض الإعلانات الرقمية أن تُختار خلال وقت قصير جدًا عبر عمليات آلية.

قد ترسل المنظومة معلومات عن فرصة عرض الإعلان، ثم تتنافس جهات مختلفة وفق معايير الحملة والجمهور والسياق.

تسمى إحدى التقنيات المستخدمة في سوق الإعلانات Real-Time Bidding أو RTB.

كل ذلك قد يحدث في أجزاء من الثانية قبل أن يظهر الإعلان أمامك.

ولهذا فإن الإعلان الذي تراه هو نتيجة نظام تقني كامل يعمل خلف الشاشة.

هل يعرف المعلن اسمي؟

ليس بالضرورة.

في كثير من الحالات تعمل أنظمة الإعلان باستخدام معرّفات أو شرائح جماهيرية أو بيانات مستعارة بدل إرسال اسم الشخص الحقيقي إلى كل معلن.

لكن هذا لا يعني أن البيانات غير حساسة.

حتى البيانات التي لا تحتوي على اسم مباشر قد تكشف الكثير عندما تُجمع وتُربط بإشارات أخرى.

ولهذا تركز قوانين الخصوصية الحديثة ليس فقط على الأسماء، بل أيضًا على كيفية جمع البيانات واستخدامها وربطها.

ماذا عن الإعلانات السياقية؟

ليست كل الإعلانات مبنية على ملف شخصي عن المستخدم.

هناك أسلوب أبسط يسمى Contextual Advertising أو الإعلان السياقي.

إذا كنت تقرأ مقالًا عن السفر، يمكن عرض إعلان عن حقائب سفر لأن موضوع الصفحة نفسه مرتبط بالإعلان.

لا يحتاج النظام في هذه الحالة إلى معرفة أنك تحب السفر أصلًا.

إنه يعرف فقط أن المحتوى الذي تقرأه الآن يتعلق بالسفر.

ومع زيادة القيود على التتبع، عاد الاهتمام بالإعلانات السياقية باعتبارها إحدى الطرق الممكنة لعرض إعلانات مرتبطة بالمحتوى مع اعتماد أقل على التتبع الشخصي.

هل يمكن منع الإعلانات من بناء ملف عني؟

يمكن تقليل ذلك، لكن الخيارات تختلف باختلاف الجهاز والمنصة والخدمة.

من المفيد مراجعة إعدادات الخصوصية والإعلانات في حساباتك، وتعطيل تخصيص الإعلانات عندما لا تريده إذا كانت الخدمة توفر ذلك.

راجع أذونات التطبيقات، خصوصًا الموقع والميكروفون والصور وجهات الاتصال.

استخدم متصفحًا يوفر حماية جيدة من التتبع.

ولا توافق تلقائيًا على كل نافذة تطلب الإذن دون معرفة سبب الحاجة إليه.

هذه الخطوات لا تجعلك غير مرئي على الإنترنت، لكنها تمنحك قدرًا أكبر من التحكم في البيانات التي تشاركها.

كيف تعرف إذا كان تطبيق يستخدم الميكروفون؟

تحتوي أنظمة الهواتف الحديثة على مؤشرات خصوصية تظهر عند استخدام الميكروفون أو الكاميرا.

كما يمكنك الدخول إلى إعدادات الخصوصية لمعرفة التطبيقات التي حصلت على إذن الوصول.

إذا وجدت تطبيقًا لا يحتاج إلى الميكروفون لوظيفته الأساسية، يمكنك إلغاء الإذن.

هذه طريقة أكثر فائدة من محاولة تخمين ما إذا كان إعلان معين ظهر بسبب محادثة خاصة.

بدل السؤال:

“هل الهاتف يتجسس علي؟”

اسأل:

“من لديه إذن الوصول إلى بياناتي الآن؟”

لماذا تبدو الخوارزميات وكأنها تعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا؟

لأن الإنسان لا يتذكر كل نقرة قام بها.

أما الأنظمة الرقمية فتستطيع تحليل آلاف الإشارات الصغيرة بسرعة.

أنت قد لا تتذكر أنك شاهدت خمسة مقاطع عن القهوة خلال الأسبوع الماضي، وبحثت عن ماكينة قهوة قبل شهر، وقرأت مراجعة لمقهى أمس.

لكن نموذجًا تحليليًا يستطيع رؤية النمط.

وعندما يظهر لك إعلان لماكينة قهوة بعد أن تحدثت عنها مع صديق، قد يبدو الأمر خارقًا.

بينما ربما كانت الإشارات موجودة قبل المحادثة نفسها.

الذكاء الاصطناعي يجعل التوقعات أقوى

كلما تطورت نماذج تعلم الآلة، أصبحت أنظمة التوصية أكثر قدرة على اكتشاف العلاقات بين كميات كبيرة من البيانات.

لا تحتاج الخوارزمية إلى قاعدة تقول:

“إذا فعل المستخدم أ ثم ب ثم ج، اعرض الإعلان د.”

يمكن للنموذج تعلم أنماط معقدة يصعب كتابتها يدويًا.

وهذا يجعل تخصيص المحتوى والإعلانات أكثر دقة، لكنه في الوقت نفسه يجعل فهم لماذا ظهر إعلان معين أصعب على المستخدم.

وهنا تظهر أهمية الشفافية.

الخلاصة

ظهور إعلان عن شيء تحدثت عنه قبل ساعات لا يثبت أن هاتفك كان يستمع إلى المحادثة.

في كثير من الحالات هناك تفسير أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا:

الخوارزميات لا تحتاج دائمًا إلى سماع ما نقوله، لأن سلوكنا الرقمي يخبرها بالكثير أصلًا.

عمليات البحث، والمواقع، والمقاطع التي نشاهدها، والأشياء التي ننقر عليها، والوقت والمكان التقريبي وأنماط المستخدمين الآخرين يمكن أن تتحول إلى إشارات تساعد الأنظمة على توقع اهتماماتنا.

وربما تكون الحقيقة الأكثر إثارة للدهشة ليست أن الهاتف يستطيع سماعنا.

بل أن البيانات التي نتركها خلفنا قد تكون كافية أحيانًا لجعل الاستماع غير ضروري أصلًا.



إرسال تعليق

0 تعليقات